أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

195

العقد الفريد

محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدويّ ، وكان أعظم القوم قدرا ، وأكبرهم سنا ؛ فقال : أصلح اللّه أمير المؤمنين ، إن خطباء قريش قد قالت فيك ما قالت ؛ وأكثرت وأطنبت ؛ واللّه ما بلغ قائلهم قدرك ، ولا أحصى خطيبهم فضلك ، وإن أذنت في القول قلت . قال : قل وأوجز . قال : تولاك اللّه يا أمير المؤمنين بالحسنى ؛ وزيّنك بالتقوى ؛ وجمع لك خير الآخرة والأولى ؛ إن لي حوائج ، أفأذكرها ؟ . قال : هاتها . قال : كبرت سنّي ، ونال الدهر مني ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري ، وينفي فقري ، فعل . قال : وما الذي ينفي فقرك ويجبر كسرك ؟ قال : ألف دينار ، وألف دينار ، وألف دينار . قال : فأطرق هشام طويلا ثم قال : يا بن أبي الجهم ، بيت المال لا يحتمل ما ذكرت . ثم قال له : هيه ! قال : ما هيه ؟ أما واللّه إن الأمر لواحد ، ولكنّ اللّه آثرك لمجلسك ؛ فإن تعطنا فحقّنا أديت ، وإن تمنعنا نسأل اللّه الذي بيده ما حويت ؛ يا أمير المؤمنين ، إن اللّه جعل العطاء محبة والمنع مبغضة . واللّه لأن أحبّك أحبّ إليّ من أن أبغضك ؛ قال : فألف دينار لما ذا ؟ قال : أقضي بها دينا قد حمّ قضاؤه ! « 1 » وعناني حمله ، وأضرّ بي أهله . قال : فلا بأس ، تنفس كربة ، وتؤدي أمانة . وألف دينار لما ذا ؟ قال : أزوّج بها من بلغ من ولدي . قال : نعم المسلك سلكت ، أغضضت بصرا ، وأعففت ذكرا ، وأمّرت « 2 » نسلا . وألف دينار لما ذا ؟ قال : أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي ، وأستعين بفضلها على نوائب « 3 » دهري ، وتكون ذخرا لمن بعدي . قال : فإنا قد أمرنا لك بما سألت . قال : فالمحمود اللّه على ذلك ، وخرج . فأتبعه هشام بصره ، وقال : إذا كان القرشي فليكن مثل هذا ، ما رأيت رجلا أوجز في مقال ولا أبلغ في بيان منه ، ثم قال : أما واللّه إنا لنعرف الحق إذا نزل ،

--> ( 1 ) حم قضاؤه : استحق عليه دفعه . ( 2 ) أمرت : أكثرت . ( 3 ) النوائب : المصائب والشدائد .